الشيخ المحمودي

174

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة

وقال عليه السّلام في هذه الوصيّة : يا بنيّ الرّزق رزقان رزق تطلبه ورزق يطلبك ، فإن لم تأته أتاك « 1 » فلا تحمل همّ سنتك على همّ يومك ، وكفاك كلّ يوم ما هو فيه ، فإن تكن السّنة من عمرك فإن اللَّه عزّ وجلّ سيؤتيك في كل غد بجديد ما قسم لك ، وإن لم تكن السنة من عمرك فما تصنع بغمّ وهمّ ما ليس لك . واعلم أنّه لن يسبقك إلى رزقك طالب ، ولن يغلبك عليه غالب ، ولن يحتجب عنك ما قدّر لك فكم رأيت من طالب متعب نفسه ، مقتر عليه رزقه ، ومقتصد في الطلب قد ساعدته المقادير ، وكلّ مقرون به الفناء ، اليوم لك وأنت من بلوغ غد على غير يقين ، ولربّ مستقبل يوم ليس بمستدبره ، ومغبوط في أوّل ليله قام في آخرها بواكيه ، فلا يغرّنّك من اللّه طول حلول النّعم ، وإبطاء موارد النّقم ، فإنّه لو خشي الفوت ، عاجل بالعقوبة قبل الموت . يا بنيّ اقبل من الحكماء مواعظهم ، وتدبّر أحكامهم ، وكن آخذ النّاس بما تأمر به وأكفّ النّاس عمّا تنهى عنه ، وأمر بالمعروف تكن من أهله ، فإنّ استتمام الأمور عند اللّه تبارك وتعالى الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر « 2 » وتفقّه في الدّين فإنّ الفقهاء ورثة الأنبياء « 3 » إنّ الأنبياء لم

--> ( 1 ) وقريب منه في المختار 267 و 279 ، من قصار النّهج ، وكذلك في وصيّته عليه السّلام إلى الإمام المجتبى عليه السّلام ، بل هذا أيضا مما تواتر عنه عليه السّلام . ( 2 ) أي إنّ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر من متممات المصالح التشريعية والتكاليف الجعلية ، فإنّ كل فرد من أفراد المكلفين يتوقف تحصيل مصالحه أولا وبالذات على الإتيان بما هو وظيفته الشخصية وتكليفه الفردي ، فإذا امتثله وخرج عن عهدته ، فقد حاز من نتائج أعماله ما هو الباعث للشارع الحكيم للجعل والتشريع من الثمرات الصالحة النّافعة واللوازم الحسنة ، ولكن تمامية هذه الثمرات وكمالها يتوقف على عمل سائر المكلفين أيضا ، ولأجل توقف عمل المكلفين جميعا بحسب الغالب على الأمر بالمعروف والحث على الخيرات ، والنّهي عن المنكر والزجر عن القبائح ، يتوقف أيضا تتميم المصالح ، وتكميل البركات المترتبة على الأعمال المشروعة ، على الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، فإذا حصلا تستتم الأمور ، أي التكاليف المجعولة من قبل الشارع الحكيم ، وإذا تركا بقيت المصالح ناقصة غير ناهضة لكمال السعادة في الدّنيا والآخرة ، فكأن الأمور المشروعة غير تامة لعدم حصول الغرض الباعث على التشريع ، هكذا أفاده أحد الأعاظم مد ظله . ( 3 ) وفي الحديث 31 ، من الباب السابع ، من البحار : ج 1 ، ص 67 ، عن عوالي اللآلي ، قال : « قال أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه لولده محمد : تفقه في الدّين فإنّ الفقهاء ورثة الأنبياء » وأيضا رواها عنه عليه السّلام العلامة رحمه اللّه في وصيته في خاتمة القواعد إلى ولده . وفي فضيلة الفقه والفقهاء أخبار جمّة يأتي ذكر بعضها .